انعقاد الدورة الرابعة من مهرجان نواكشوط للشعر العربي

27 فبراير, 2019 - 08:41

تواصلت لليوم الثاني على التوالي فعاليات الدورة الرابعة من "مهرجان نواكشوط للشعر العربي" الذي ينظمه بيت الشعر في نواكشوط، وسط إقبال الشعراء والمثقفين وجمهور الأدب على فعاليات هذا المرجان الذي أصبح مكونة ثقافية كبيرة في البلاد، وحظي المهرجان هذا العام بشرف تنظيمه تحت الرعاية السامية لفخامة رئيس الجمهورية السيد محمد ولد عبد العزيز.

وتميزت فعاليات اليوم الثاني، التي جرت بحضور نخبة ثقافية موريتانية وإماراتية تقدمها سعادة عبد الله محمد سالم العويس رئيس دائرة الثقافة بحكومة الشارقة ومديرا بيتي الشعر في نواكشوط والشارقة على التوالي الأستاذ الدكتور عبد الله السيد والشاعر محمد عبد الله البريكي، بأصبوحة وأمسية شعرية وحفل توقيع إصدارات إبداعية، حيث وقع الشاعر الشيخ نوح نسخا من ديوانه "عراجين القلق الأولى" كنموذج عن الدواوين الشعرية الموريتانية التي أصدرتها مؤخرا دائرة الثقافة بالشارقة، وضمت مجموعات شعرية لشعراء كبار.

كما تم تكريم سبعة مبدعين هم فرسان فعاليات ثاني أيام المهرجان.

وهذه الليلة بدأت الأمسية الشعرية، التي قدمها الكاتب والإعلامي أحمدو الحسن، باستماع الحضور إلى الشاعر أحمد فال بن أحمد الخديم، الذي قدم نصين من ديوانه، بدأهما بقصيدته "نشـيد العِلْـم"، التي يقول مطلعها:

من العلم يا بن أخي فازدد

وجدَّ لتحصيله واجهدِ

أقم وارتحل واسعَ في شأنهِ

 وصاحبْهُ واغْنَ به واقتد

ولا ترض بالدون مهما سما  

ولِلدرجات العلى فاصعد

هو العلم أشرف ما يقتنى

وأجمل ما يرتدي المرتدي

به عزَّ من عزَّ من قبلنا

 ويبقى السبيل لعز الغد

فبادر بُنيَّ لتحصيله

وقل رب زدنيَ علماً زِدِ

فنحن إلى العلم في حاجة

متى ما ننله به نسعد

به نحتمي وسنحمي به  

حمى وطنِ العزّ والسؤدد.

ولد أحمدو الخديم، انتقل من شعر الحكمة ليسمع الجمهور ما يعتبره البعض نصا من أوائل النصوص الموريتانية التي تحث على تحرر المرأة وتعلمها، يقول في قصيدته "ثــوري.. يا فتاتي":

ثوري على ظُلم القيود فتاتي

لا تخضعي للظلم قيدَ حصَاةِ

إن الفضيلة أن تكوني حرة

تتمتعين بقيمــــــــــة وحياة

لا تقبلي العيش الذليل ذليلة

مكبوتة حتــى عن الزفرات

محرومة من حرمة الإنسان في

حــق الحياة مَدِيسة الحرمات

موؤودة فبأي ذنب يا تُــــرى

قتلوا وجودك قبل حين ممات

ويواصل الشاعر دعوة المرأة إلى نيل حقوقها وتشجيعها على تجاوز العقليات والعراقيل الاجتماعية السلبية:

قالـوا عليك وليتهم علموا بما

يأتون من إفك ومحض هَنات

يسعـــون للإبقا عليك حبيسة

ضمن الأثاث بداخل الحجرات

يستبشرون إذا رأوك مسوقة

للبيع أي بضاعـــــــة مُزجاة

وإذا أرادوا الوصل منها إنما

يستكملون بقيـــــــة الوجبات

يا بنتُ دورُك قد أتى لتحققي

عبر المآسي أشرف الغايات.

إلى أن يقول:

فابقيْ ضميرا ملهما لوجوده

وحياته وإلى الأمام فتاتي

ليت الذين تمتعوا بحياتهم

قبلوا بقسط من حياة اللاتي.

وبدوره ألقى الشاعر التراد محمد، القادم لتوه من سيليبابي، قصائد من ديوانه بدأها بقصيدته "الحروف الهائمة"، التي يقول مطلعها:

ولا زلت أنزع من جسد الدهر بعض الحروف الجميلة جدا

وبعض النفوس الجميلة جدا

وبعض الحياة

ولا زلت أمشي".

إلى أن يقول:

وحلمي الوحيد تقلبه الريح أنى تشاء

ولا زال يضحك

لا زال يضحك

حتى سبته رؤى النائمات

فقمت إلى الليل

أحبس عنه دموع الحياة

لكي لا يفيض على العالمين

ويغرق حلمي

وكنت أسامر بعض الحروف التي أهملتها أيادي النحاة

وكانت تغازل في صمتها المستبد هوى الذكريات

وكم هو قاس هوى الذكريات

فأحرقت نفسي

بتلك الحروف التي راودتني ولم تكتمل

وعدت إلى النفس أمحو هواها

وأغسل عنها جذور الشتات".

كما قرأ قصيدته "ماذا سأحمل"، ويقول مطلعها:

ماذا سأحمل من ترانيم الهوى

 غير الذي قد كنت أحمل سابقا

فالمفردات تكاد توغل في المدى

حتى المدى ما عاد عندي لائقا

لأزفه هذا اللقاء وما حوى

من فيض آمال بسمن خوافقا

يا ليت هذا اليوم يخلد قائما

لا ينتهي أبدا يحف به البقا

فلكم نتوق إلى القريض مرنما

من كل نابغة وآخر أشرقا

يا معشر الشعراء جئت محملا

بالحب أحمل عالما متنمقا

فلكل نجم في الفؤاد محبة

وهوى تربع في الصميم وأورقا

وقصائدا هتك الزمان خباءها

فتطايرت تعلو الزمان شواهقا.

ويختمها بقوله:

أنشودة الأمل التي غنيتها

 كانت خيالا من هوى فتدفقا

ومدامعي كفكفتها وجمعتها

ومسحت جرحا دامعا فترقرقا.

واختتمت الأمسية مع الشاعر أحمدوا الغزالي أحمد عالم، الذي قدم تجربته الشعرية للحضور من خلال قصائد تميزت بعمل الشاعر على استنطاق اللغة الشعرية بأكثر من أسلوب، يقول في قصيدته "نسـوة في المـدينـة":

على سكـة الفجر والليـل

نـام

.. ولم يقتـرف غيـر ذنبيـن

ذنب قـديم.. أعني السكـوت على فعلنـا

وذنب الظـلام

ويمضـي القطـار كتسبيحـة مـائيـة لا تطيـق

التوقـف دون المسيـح 

حـلم تـلاشى ليسـعف هـذي المسـافة

كـي تستعيـد الطـريق وعيـا طـويلا

فشـاب الرصيـف.. ولـم نمض إلا سويـا

 فالـوقت أقصـر أن نستـريـح

وكنـا وقفـنا..!!

علـى هـامش لم يكتمـل بعـد..!!

ويـوم رأيتـك تبـكيـن

هـل تـذكـريـن..؟؟

لـم أستطـع مسـح دمعـك..

لكـن قلبـي الصغيـر.. راهـن أن لا يعـود إلي

وقـد شـاء أن لا أكـون

أمـامـك إلا كتمثـال

نـزار..!!

يـوم تمـزق فيـه الحنيـن..

هـل تـذكـريـن..

وكـان الصبـاح..!!

تغـرد فيـه الطيـور..

لحـن المسـاء..

ودقـات قـلب

بقـايـا مـن الطيـب

والطيـن..

طفـل يغــرد شعــرا

وليـل يمـزق قلبـي السجيـن..

وكـانت سمـاؤك زرقـاء..!!

عيـونك مـالت..

إلـى الـوقت تنظـر كيف استطعنـا الوقوف..

ببـاب يطـل على النـار..!!

ثـم انـعكسـت كمـرآة شـوق.. تطـل من المـاء..!!

لعل الشاعر أثبت ولاءه لأسلوبه الشعري في قصيدته "تلويحـة الغيـبِ"، التي يقول فيها:

مُنـذ

ابْتُـكـرنا

وَهـَذا الـطّيـنُ أوهـَامُ

تَخُـطـُهُ هـَامِشـاً لـِلأَرْضِ أقـدامُ

مُـذْ كـَانَ آدمُ طِفـْلاً...

يَلـْعَبـُونَ بِـهِ

تَفَـجَّـرَتْ فـِي حُقـُولِ الغيب أَلغَـامُ

مُـذْ كُـوّرَتْ هَـذِهِ

اللاشـيء قَـامَ

أَسـىً يُصَـارِعُ الفـَجْرَ فِـي

أَحْضـَانِ مَـنْ نَـامُـوا

مُنـذُ ابْتـَكـَرْنَـا دُمُـوعَ

الخـُبـزِ جَـائـِعَـة

أَفْـكَـارُنـاَ -نَحـنُ-

عَـطشـَى حَـدَّ مَـن صَـامُـوا

وَنَـحنُ مُنـذُ انْبِـعـَاثِ الضَّـوءِ أَوعـِيـَّة

مـِنَ الدُّخـَانِ خَيـَال نَحـنُ أَقـٔزَامُ

نـَطـُوفُ بـِالمَـاءِ زعما

أَنّ أَعْيـُنَنـاَ

لاَ تَـعبُـدُ الـطِّيـنَ إِنَّ الـطِّيـنَ أَصْنَـامُ.

وكان قد شارك في الأصبوحة الشعرية، التي أدارها الشاعر والإعلامي سيدي الأمجاد، كل من الشاعر مولاي عمر مولاي إدريس، والشاعرة زليخة الحامد، وأعطت القصائد التي أنشدت أمام الحضور صورة عن واحدة من أبرز التجارب الشعرية المعاصرة في موريتانيا، وهي تجربة القصيدة التي تنشد الحداثة مع تمسكها بقوالب الخليلي وشعر التفعيلة.

الشاعر مولاي عمر مولاي إدريس بدأ تقديم تجربته الشعرية إلى الحضور مع قصيده "مراودات للقصيدة"، التي يقول في مطلعها:

جفت القصيدة شاعرا بي خاملا

وتحجبت بالغيبِ عن خطراتي

أأظل أقدح باليراع قريحتــــــي

ويظل مكموما فـــــــمُ الكلماتِ !!

قمرٌ يبشرنــــي.. ويروي قصة

عن فتيةٍ فـــي منحنى الظلماتِ

عثرت بهم أحلامهم وعلى المدى

أسفارهـــــــم محمرَّة الطرقاتِ !

مضغتهــــــم الأيام بالنكبات ما

رجعوا. ولا أصغوا إلى النكباتِ

وأنا على هذا الكثيبِ مبلِّلا

بحكاية القمرِ المبشرِ ذاتي

وعليَّ ينسحب النسيمُ كأنه

كف المسيحِ سرتْ على أمواتِ

وكأنه أمي تقلم حقلها

وترشني باليمن والصلواتِ

وحدي أعطر بالخيال خواطري

كي أستميل أميرةَ النجماتِ

كي تعشقَ السحبُ الحوابل مهجتي

فيلدنَ أشجارا على فلواتي

كي ترحم الآفاق طرقَ أصابعي

فتسلَّ من صدري يدَ الخيباتِ

لكن صاحب "الحروف المنزوعة الرغبات"، سرعان ما يعكس الصور بين أكثر من قالب ومرايا، عندما يواجه كشاعر تجربة الحب، فيقول:

وأبيتُ والقمر البهي يعيذني

من أحرف منزوعة الرغباتِ

ويقول حدق في الشواطئ كم ترى

من رقصة سكرى ومن نغماتِ

ومن الجمال وقد تعرى سحره

بالماءِ منسكبا على الفتياتِ

ومن النهود البكرِ فيها توقها

ليد توزع أكؤس اللمساتِ

فأرانيَ اهتزت شراييني التي

قد خلتها طينا بغير حياةِ !

وطفقت أنظر في عيون صبية

ليذوق قلبي لذةَ الطعناتِ

ثم يجلي الشاعر صورة الحبيبة في انعكاس القصيدة:

فانساب ماء الخلق من أجفانها

ومن الخدود الحمر والوجناتِ

ورأيت في رحم القصيدة نطفة

ووجدت أخيلتي بلا كبواتِ

فرجعت للقمر المبارك ساجدا

قلبي وراكعةً له أبياتي.

كما قرأ قصيدة الثانية التي عنونها ب"مُعلَّقة حُب ضائع"، ومطلعها:

توقدتِ نارا في الحشا فتصحَّرا

وقد كان من قبل الصبابة أخضرا !

وناجيت كأسي في هواك عشية

فصدَّعها بوحي الأليم وكسَّرا

دعي قلبك المغرور يبصر حيرتي

وما حاق بي بعد التخاصم واعترى

وسوف تنال النار من نظراته

إذا ما رآني في الجحيم مبعثرا

ومري ببيتي تسمعي صوت أنتي

وصيحات صبّ قد أُهين وحُقِّرا

بنيت من الأحلام عشا لمهجتي

ولكن عشي بالمواجع دُمِّرا

وأحببت فيك اللِّين لكن رأيته ...

بُعيْد تجافينا عن البأس كشَّرا

أكان هواك العذب كذبة ساعة

وأحلى كلام في العواطف مفترَى!!

إلى أن يقول:

فيا ويح نفسي من سذاجة خافقي ...

أبيت أناجي طيفك المتكبِّرا

أقول : لعلي قد جرحت حبيبتي

وترجو اعتذاري ـ إن رجعت ـ لتَعذُرا

ولكنني لما أتيتُك نادما

لقيت فؤادا قد سلا فتأمرَّا

ولو كان يهوى ما تجبَّر ساعة

ولا كان يرضى أن أموتَ ليغفِرا.

وختمها بقوله:

ولو كنت أدري ما عشقتك لحظة

ولكن عشقي كان شيئا مقدَّرا

مشى القلب في دنياك والورد تحته

ولكنه بعد الخصام تعثرا

وبُدِّلت الأزهار جمرا لهيبُه

يسافر في عمق المشاعر خِنجرا

ولو كان مفتاح الغيوب بقبضتي

لأوحى إلى هذا الفؤاد ليحذرا

أحبك رغم الهجر.. رغم سذاجتي

ورغم دم من جرح نأيك قد جرى

فظلي بخير ما حييت وإن أمُت

فظلي بخير كي يطيب لي الثرى.

الشاعر مولاي عمر مولاي إدريس في قصيدته "نصف انطفاءْ"، يواصل التمسك بأدواته الإبداعية، وخاصة في توظيف الإحالة والمجاز والقصص، يقول في مطلع القصيدة:

حمل الحروف على هشاشة منكب

ومضى بحرقته إلى بكَمِ المدى

يمشي ويعثر بالهواجس والدجى

حتى إذا خشيَ الخمودَ توقَّدا

قد علمته الريحُ أن حُطامه

كالماء يُنبت كلَّما هو بُدِّدا.

فمضى يودِّعُ أمّهُ وديارَهُ

وتقلَّد الكلماتِ ثم تنهَّدا

 

 

 

 

 

 

اعلانات