
محن الرؤساء الموريتانيين في المنفى و السجون
___________
عند الساعة الثالثة فجرا اقتحم ضابطان صغيران غرفة نوم الرئيس، وأبلغاه بأن قادتهما أسقطوا عنه الشرعية واقتاداه إلى محبس مؤقت ثم إلى سجن شديد التحصين بين كثبان رملية في ولاتة على بعد 1350 كم شرق نواكشوط .
ومن هذه اللحظة بدأت محن الرؤساء السابقين في موريتانيا، حيث كان قدرهم خوض تجربة السجن والتعرض لمعاناة شديدة القسوة، مثل فقد الأبوين أثناء الاعتقال والنفي بعيدا عن الوطن والعشيرة الأقربين.
وفيما عدا العقيد اعلي ولد محمد فال، فإن جميع الرؤساء السابقين في موريتانيا سجنوا وخاضوا تجارب مريرة في المنافي وخلف القضبان، بعضها خرج للنور في كتب ومقابلات تلفزيونية، وبعضها ما يزال حبيس الصدور:
الزنزانة والإذاعة والمنفى
في العاشر من يوليو 1978، أطاح المقدم المصطفى ولد محمد السالك بأول رئيس لموريتانيا المختار ولد داداه، وتم نقله على جناح السرعة إلى مدينة ولاتة ليبدأ محنة فقد السلطة والبعد عن الأهل والولد.
ولم تكن الإذاعة رفيقا مؤنسا، فقد كانت شاهدا حيا على تنكر الساسة له وغدرهم به، وفق شهادته، حيث كانت تستضيف شخصيات تلقي عليه التهم وتحمله كل وزر بعد أن كانت تتسابق للتقرب منه والإشادة به في كل المحافل.
تحدث الرئيس في مذكراته عن ظروفه في المعتقل وعن قلقه على مصير أطفاله وعائلته بشكل عام.
وبعد 16 شهرا من السجن، تدهورت صحته وأرسل للعلاج إلى تونس ثم إلى فرنسا.
وفي 1980 حوكم غيابيا بتهمة الخيانة العظمى والمساس بالدستور، وحكم عليه بالمؤبد والأشغال الشاقة.
وفي نيس الباردة جدا والواقعة عند سفوح جبال الألب الفرنسية، قضى ولد داداه حياته بعيدا عن دفء بوتلميت التي عاد ليستقر فيها بشكل دائم في 14 أكتوبر 2003 حيث ووري الثرى في مقبرة البعلاتية بعد سنتين من رجوعه إلى البلاد.
سقوط الانقلابي الأول
ولد هيدالة الذي تردد على ولد داداه، في السجن، تعرّف عن قرب على تقنية نقل الرئيس من القصر ووضعه في قرية سجينة بين الكثبان لا تؤدي محاولة الفرار منها سوى إلى التيه والعطش ثم الموت.
وقد كانْ، ففي يونيو 1979، أطاح ولد هيداله ورفاقه بالمصطفى ولد السالك، واحتسى هذا الأخير مرارة الغدر من ذات الكأس التي سقى منها المختار ولد داداه.
اعتقل ولد السالك لـ3 سنوات وحوكم أمام القضاء العسكري ، وحكم عليه بالسجن 10 سنوات ولكن أخلي سبيله في 1984.
ضيف تامشكط الكبير
لسنوات، كان الجميع في موريتانيا يخشون ولد هيدالة سرا وعلانية، لكنه بعد 12 – 12 - 1948 ، صار يرجو رحمة جندي من الحرس للسماح له بالتريض خارج سجن موغل في الوحشة في عمق صحراء تامشكط.
ففي يوم "دوز دوز" المحفور في الذاكرة السياسية الموريتانية، أطاح العقيد معاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع بالمقدم محمد خونه ولد هيدالة وعهد به لفرقة صغيرة من الحرس في تامشكط تكفلت بترويضه إلى أن أيقن أنه لم يعد ذلك الصنديد المهاب والقادر على "تهذيب الجماهير".
وخلال إقامته في قلعة من الطين تركتها فرنسا، فقد ولد هيدالة والده ولم يصله النبأ إلا بعد فترة طولة، وسمع أيضا في الإذاعة كيف تحول الناس من التسابق لمدحه وتعظيمه إلى تخوينه ورميه بالموبقات.
وبعد أن اطمأن ولد الطائع إلى تكسّر حراب خصمه، أفرج عنه في عام 1988، وترك له الحق في ممارسة السياسة من أبوات التحزب والترشح والتظاهر.
"يمينا لنعرف كيف أتيت" وكيف مضيت
لسنوات، كان ولد الطائع "ما مثله سيد"، "فنادت به الأكوان و الدهر شاهد"، وتساوى في التغني به - كل من موقعه- الشعراء والعلماء الأجلاء والنخب والدهماء.
لكن قائد طائرة الرئيس تلقى إشعارا من نواكشوط بأن النظام تغير وأن عليه إلقاء الرئيس في النيجر حتى يتسنى لرفاقه ترتيب منفى يليق بولائهم الطويل لفخامته.
كان معاوية عائدا من عزاء الملك السعودي فهد بن عبد العزيز في الـ5 من أغسطس عام 2005 ، وقد تملكته الصدمة عندما بلغه أنه أوتي من مأمنه: صديقه الوفي اعل ولد محمد فال والتلميذان المدينان له بالترقيات المتتاليات: محمد ولد وعبد العزيز ومحمد ولد الغزواني.
فقد ولد الطايع كل شيء: السلطة والعشيرة والقصائد الجميلة ومرابع الصبا في أطار، ليعيش في المنفى في قطر، يراقب موريتانيا من 5 آلاف كيلومتر.
العزل وسارية المسجد
بعد طي سجل ولد الطائع في 2005 ، كان سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله يطمح فقط لعضوية لجنة الانتخابات أو رئاستها على أبعد تقدير.
لكن تفاهمات ذات بعد عائلي، جعلته مرشحا مناسبا للعسكر، فباركه العقيد حينها محمد ولد عبد العزيز واقتدى به أكابر الضباط في الجيش والأمن والحرس والدرك .
فاز ولد الشيخ عبد لله بالرئاسة بفارق ضئيل جدا على أحمد ولد داداه عبر انتخابات نزيهة في ظاهرها موجهة في باطنها.
عندما استلم الرئاسة، اكتشف ولد الشيخ عبد الله أن منصب الرئيس لا يحتمل القسمة على اثنين، ولم يقبل بتلقي التوجيهات من عزيز الرجل الأقوى نفوذا في الجيش.
وعندما طفح الكيل وخرج الخلاف للعلن، أقال ولد الشيخ عبد الله المحمدين: عزيز وغزواني. فكان الرد سريعا: أخذه عزيز من القصر واعتقله في بيت وسط العاصمة نواكشوط.
وتمت كلمة العسكر، فأُزيح ولد الشيخ عبد الله عن السلطة وتعرض وعائلته لموجة اضطهاد وتشويه غير مسبوقة في تاريخ البلاد.
وبعد أن أخلي سبيله، قضى معظم حياته مسندا ظهره إلى سارية مسجد في قرية لمدن، مسقط رأسه، ولم يظهر إلا مرة واحدة في حفل عيد الاستقلال في 28 نوفمبر عام 2019، بينما شوهد اسم ولد عبد العزيز على ملصق فوق مقعد شاغر.
وربما كانت أحداث هذا اليوم هي المداد الذي كبتت به نهاية الصداقة طويلة الأمد بين غزواني وعزيز.
التحق ولد الشيخ عبد الله بالرفيق الأعلى في 23 نوفمبر من العام المقبل، قبل أن يشاهد بقية حلقات مسلسل غزواني وعزيز.
كان عزيز سلم السلطة طواعية في 2019، بعد 10 سنوات من هيمنته على مقاليد الحكم، إلى حد أن بعض الساسة نادوا به ملكا على البلاد.
ولكن أشياء كثيرة قيلت عن رغبته في التحكم في السلطة ليس من وراء حجاب، بل من خلال قمرة قيادة الحزب الحاكم، وجعل غزواني مجرد واجهة شكلية (بو) لا يقدم ولا يؤخر.
وأنى له ذلكْ. على عجل قُلمت أظافر عزيز ولم يعد حرا في حتى زيارة مزرعته في بنشاب. ولاحقا أدين باختلاس المال العام واستغلال النفوذ والإثراء غير المشروع، التهم التي يعتبرها كيدا سياسا فقط.
وحاليا، يقضي عقوبة السجن وحيدا، ويقال إنه يطلب من سجانيه السماح له بالتعرض لأشعة الشمس ولكنهم يرفضون.
خلال رحلته في التحقيق والسجن، فقد ولد عبد العزيز والدته، وقيل إن زوجته وبعض أبنائه تخلوا عنه، وتنكّر له كل الذين تغنوا به من بير أم أكرين إلى عدل بكرو.
واليوم السبت، خاض ولد عبد العزيز محنة جديدة، فقد انتقل والده إلى جوار ربه، وسمحت له السلطات بالحضور للجنازة فقط على أن يعود للسجن مباشرة، لكنه رفض هذا العرض الذي لا يمكنه من استقبال المعزين في منزله.
وحول هذه النقطة، كتب ولد هيدالة لعزيز أنه يشعر بألمه، فقد خاض ذات التجربة القاسية عندما كان ضيفا في قلعة الطين الفرنسية في تامشكط، لكنه ذكّره بأن المحن تصقل القادة وتقدمهم نماذج للصبر والتحمل.



.jpg)
.gif)
.jpg)

.jpg)
