لماذا يهاجم النجاح ؟

25 فبراير, 2026 - 07:04

صباح النور إخوتي الفاعلون في حقل الثقافة:

بأي وجه أو منطق يخاطبون معالي الوزير الحسين ولد مدو؟

منذ أن تولى معالي وزير الثقافة والفنون والاتصال والعلاقات مع البرلمان، الدكتور الحسين ولد مدو، مسؤولية قطاع الثقافة، بدا واضحا أن هذا القطاع لم يعد مجرد بند بروتوكولي في أجندة الدولة، بل تحول إلى مجموعة ورش وطنية مفتوحة للإصلاح والرعاية والتثمين، يعمل برؤية واضحة وتنسيق محكم، مدعوما بأمينه العام السيد سيدي محمد جدو خطري الملقب سيداتي، الذي شكل حضوره الإداري والتنظيمي رافعة حقيقية لتفعيل تلك الرؤية على أرض الواقع.

فالذي أنجز في فترة وجيزة، من حيث العناية بالمثقفين، ورد الاعتبار لرموز الفكر والأدب والفن، وتفعيل الحضور المؤسسي للثقافة، يفوق في تقدير كثيرين ما عرفته الساحة الثقافية خلال عقود طويلة مضت. ولم يكن ذلك ليتحقق لولا الانسجام بين القيادة السياسية للقطاع ممثلة في الوزير، والقيادة الإدارية والتنفيذية التي يضطلع بها الأمين العام، في تكامل يعكس فهما عميقا لطبيعة المرحلة ومتطلباتها.

والحكم في ذلك ليس للانطباعات العابرة، بل إنه بالدرجة الأولى لأهل الشأن أنفسهم، فعلينا أن نسأل القائمين على الهيئات الثقافية الكبرى، كاتحاد الأدباء والكتاب الموريتانيين، والاتحاد الموريتاني للأدب الشعبي، واتحاد الفنانين الموريتانيين، واتحادية الرماية التقليدية، كما علينا كذلك أن نسأل منظمي المهرجانات الثقافية والفنية، ورؤساء الجمعيات والأندية، وأصحاب المبادرات النوعية الموسمية منها والمستديمة.
ستجدون أن الإجابة تكاد تكون واحدة، مؤكدة أن حجم التعاطي الإيجابي، وروح الشراكة، والاستعداد للاستماع، والدعم الملموس، كلها معطيات لم يعرفها القطاع بهذا الزخم في تاريخه الحديث.

لماذا يهاجم النجاح؟

المفارقة التي تستوقف المتابع أن كل مشروع نهوض وطني، ما إن يبدأ بخطوات ثابتة، حتى تتشكل حوله دوائر من التوجس والاعتراض.
أقلام لا ترى في الجهد الوطني إلا موضعا للريبة، وأفواه لا تتغذى إلا على الشك والتشكيك.

وقد أشار عالم النفس النمساوي سيغموند فرويد في كتابه مستقبل وهم إلى التوتر القائم بين الإنسان ومتطلبات الحضارة، موضحا أن الإنسان، وهو في أمس الحاجة إلى الحضارة ليعيش في أمن وانتظام، قد يتحول إلى خصم لها حين تتعارض مع نزواته أو مصالحه الضيقة. ولسنا هنا بصدد إسقاط حرفي لنظرية نفسية على واقع سياسي، بقدر ما نستحضر ظاهرة إنسانية عامة تفسر جانبًا من مقاومة كل فعل إصلاحي جاد.

الثقافة ليست نقيضا للصحة ولا للتعليم

ومن الحجج التي تتكرر كلما برزت مبادرة ثقافية: لماذا التركيز على الثقافة بدل الصحة أو التعليم أو غيرهما؟
وهي حجة تكشف في جوهرها خلطا بين التكامل والتزاحم.

فالدولة الحديثة تقوم على منظومة قطاعات متكاملة، لكل منها اختصاصاته وخططه وموازناته. نجاح وزير الثقافة في تطوير قطاعه لا يعني أنه انتزع موارد الصحة، ولا أنه عطل مسارات التعليم، كما أن تقدم أي قطاع لا يلغي مسؤولية القطاعات الأخرى.

الثقافة ليست مجالا ثانويا يمكن تأجيله، بل هي الحاضنة التي تنتج الانسان القادر على الاستفادة من التعليم، والواعي بأهمية الصحة، والمحصن ضد التطرف، والمنفتح على العالم دون أن يفقد جذوره. بغير ثقافة حية يصبح التعليم حشوا معرفيا، وتتحول التنمية إلى ارقام بلا روح.

في معنى المسؤولية والانصاف

عندما يبذل الوزير ومعه أمينه العام سيدي محمد جدو خطري الملقب سيداتي، وأطر القطاع، جهدا واضحا لتطوير مجالهم، فإن ذلك يسجل لهم وللوطن. فالسياسات تصاغ برؤية، لكنها تنجح بإدارة واعية ومتابعة دقيقة وانضباط مؤسسي، وهي عناصر لا تكتمل إلا بتكامل الادوار بين القيادة السياسية والادارة التنفيذية.

والمقارنة بين القطاعات دون فهم لاختصاصاتها ليست تحليلا موضوعيا، بل تبسيط يفضي إلى التشويش.

الانصاف يقتضي اسئلة واضحة:
هل تحسن مستوى العناية بالمثقفين؟
هل ازدادت الفعاليات النوعية؟
هل تعزز حضور الرموز الوطنية؟
هل فتحت قنوات حوار اوسع مع الفاعلين الثقافيين؟

إذا كانت الاجابة بالايجاب، كما يشهد بذلك كثير من اهل الاختصاص، فإن الاعتراف بذلك ليس تملقا، بل تقدير للجهد وتشجيع على الاستمرار.

شهادتي الشخصية

وبوصفي أحد أقدم الفاعلين في المجال الثقافي منذ بداية الثمانينات، وقد مارست خلال هذه العقود مختلف جوانب العمل الثقافي، من كوني ضمن المؤسسين الأوائل للمسرح الوطني، إلى انخراطي في مجالات الأدب والصحافة والعمل الفكري، فإنني لا أتحدث من موقع المتفرج، ولا من باب الانطباع العابر، بل من موقع المعايشة الطويلة والتجربة المتراكمة.

لقد عاصرت مراحل متعددة، وتعاملت مع إدارات ووزراء ومسؤولين، وشهدت فترات مد وجزر في الاهتمام بالشأن الثقافي، لكنني، بكل صراحة ومسؤولية، لم أجد في يوم من الأيام نموذجا في التعاطي الإيجابي مع الفاعلين الثقافيين يماثل أو يضاهي ما نلمسه اليوم، سواء من حيث حجم الاستماع، أو مستوى الشراكة، أو مقدار الاستفادة الفعلية التي عاد بها الدعم والعناية على العاملين في الحقل الثقافي.

وهذه شهادة أتحمل مسؤوليتها كاملة، لا أقولها مجاملة لأحد، ولا طمعا في مكسب، وإنما إيمانا بأن من عاش التجربة عقودا، ثم رأى تحولا حقيقيا، من واجبه أن يشهد بما رأى، وأن ينصف حين يكون الانصاف مستحقا.

فالامم لا تنهض بالصراخ، ولا تبنى بتقليل شأن أي خطوة ايجابية، بل تنهض حين يدعم الناجح، ويقوم المقصر، وتناقش السياسات بعقل بارد وروح وطنية صادقة.

ومن يملك غيرة حقيقية على الثقافة الوطنية سيدرك أن دعم كل مبادرة جادة في هذا المجال هو في جوهره دفاع عن هوية الامة ومستقبلها
بقلم: عبد الباقي محمد

 

 

 

 

 

 

اعلانات