تقرير جديد لـ«أطباء بلا حدود»: اللاجئون الماليون في الحوض الشرقي يصارعون للبقاء وسط ظروف معيشية قاسية وصدمات نفسية عميق

14 أكتوبر, 2026 - 06:38

الحوض الشرقي – موريتانيا | كشف تقرير جديد لمنظمة أطباء بلا حدود عن الأوضاع الإنسانية والصحية المتدهورة التي يعيشها اللاجئون الماليون في ولاية الحوض الشرقي، في ظل استمرار تدفق الفارين من النزاع المسلح في مالي، ونقص المياه والغذاء، وصعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية، فضلًا عن الآثار النفسية العميقة التي خلفتها أعمال العنف والانتهاكات التي تعرض لها كثير منهم قبل اللجوء وخلال رحلة الفرار.

ويحمل التقرير، المنشور في 8 أكتوبر 2026 والمحدَّث في 12 أكتوبر الجاري، عنوان «موريتانيا: في جنوب البلاد، يحاول اللاجئون الماليون البقاء على قيد الحياة»، ويستند إلى شهادات ميدانية ومعطيات طبية وإنسانية جمعتها فرق المنظمة العاملة في المنطقة.

تدفق متواصل للاجئين منذ سنوات

تشهد المناطق الريفية في ولاية الحوض الشرقي تدفقًا متواصلًا للاجئين الماليين منذ سنوات، غير أن عودة الاشتباكات وتصاعد أعمال العنف في شمال مالي ووسطها منذ عام 2023 أديا إلى نزوح أعداد جديدة من المدنيين، وفرار سكان قرى بأكملها بحثًا عن الأمان داخل الأراضي الموريتانية.

ويشير التقرير إلى أن التصعيد المسلح شمل القوات المسلحة المالية وشريكها الروسي من جهة، ومجموعات مسلحة، من بينها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين، المعروفة اختصارًا بـGSIM أو JNIM، من جهة أخرى.

وقد وجد آلاف الأشخاص ملاذًا لهم في المناطق الحدودية الموريتانية، بعدما اضطر كثير منهم إلى مغادرة قراهم على عجل، تاركين ممتلكاتهم ومصادر رزقهم وحياتهم السابقة وراءهم.

وتوضح سابرينا هازي، منسقة منظمة أطباء بلا حدود في باسكنو، أن اللاجئين الماليين الذين وصلوا إلى موريتانيا بعد سقوط مناطق واسعة من شمال مالي في أيدي الحركات الجهادية عام 2012 جُمِعوا في مخيم امبره، الذي يقع بالقرب من باسكنو، وتحول مع مرور الوقت إلى تجمع سكاني كبير بلغ عدد سكانه نحو 120 ألف نسمة.

لكن منذ عام 2023، ومع تصاعد أعمال العنف في شمال مالي ووسطها، بات اللاجئون الجدد يُشجَّعون على الإقامة لدى المجتمعات المضيفة بدلًا من التوجه إلى مخيم امبره، الذي بلغ طاقته الاستيعابية القصوى.

ونتيجة لذلك، انتشر كثير من الوافدين الجدد في مواقع إيواء غير رسمية ومتفرقة داخل مناطق ريفية شاسعة وشبه قاحلة، الأمر الذي زاد من صعوبة وصول المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية إليهم.

فقر ونقص في المياه والغذاء

على الرغم من أن اللجوء إلى موريتانيا وفر للعديد من الأسر قدرًا من الأمان، فإن ذلك لم ينهِ معاناتها، إذ تواجه ظروفًا معيشية بالغة الهشاشة، تتسم بالفقر الشديد ونقص الغذاء والمياه، فضلًا عن محدودية فرص الحصول على الرعاية الصحية وسبل كسب العيش.

ويعد موسم الجفاف، الذي يمتد من نوفمبر إلى يوليو، من أصعب الفترات التي تواجه السكان في المنطقة، بسبب تراجع الموارد المائية وتزايد مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

وتؤكد منظمة أطباء بلا حدود أن موجة اللجوء الجديدة فاقمت الضغوط على الخدمات الصحية التي كانت تعاني أصلًا من نقص الموارد وعدم كفاية الإمكانات لتلبية احتياجات السكان المحليين.

وتقول الدكتورة إيزابيل مانغيه-يولا إن المنظمة تدخلت للاستجابة للاحتياجات المتزايدة في مجال الرعاية الصحية الأولية، سواء لدى اللاجئين الماليين أو المجتمعات الموريتانية المضيفة.

ولا تقتصر المشكلات الصحية على سوء التغذية، بل تشمل أيضًا حالات عديدة من فقر الدم والأمراض المزمنة لدى البالغين، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم.

وتتطلب هذه الأمراض متابعة طبية منتظمة وتناول الأدوية بصورة مستمرة، غير أن المسافات الطويلة التي تفصل السكان عن المرافق الصحية، إلى جانب صعوبة حفظ الأدوية في مواقع الإيواء التي تفتقر إلى الكهرباء، تجعل استمرارية العلاج تحديًا يوميًا.

شهادة مؤثرة تكشف حجم الخسارة والمعاناة

ومن بين الشهادات التي أوردها التقرير، قصة امرأة مالية تعاني سوء التغذية، استقبلتها إحدى العيادات المتنقلة التابعة للمنظمة.

وتروي الدكتورة إيزابيل مانغيه-يولا أن المرأة أخبرتهم بأنها تأكل ما تجده، وأنها لم تعد تملك القوة الكافية لتناول الطعام، كما كانت تعاني نقصًا حادًا في الكالسيوم.

وبالنظر إلى انتشار المواشي في المنطقة، افترض الفريق الطبي أنها ما تزال تحصل على الحليب، لكن سؤالها عن ذلك دفعها إلى الانهيار والبكاء.

فقد أخبرتهم بأنها كانت تملك في مالي مواشي وحليبًا بوفرة، لكنها أصبحت في مكان لجوئها لا تشرب قطرة حليب واحدة.

وتعكس هذه الشهادة، بحسب التقرير، حجم التحول القاسي الذي عاشته أسر اللاجئين؛ فمن امتلاك المواشي ومصادر الغذاء إلى مواجهة الفقر والحرمان، فضلًا عن المعاناة النفسية المرتبطة بفقدان الممتلكات والفرار من موطنهم الأصلي.

رحلة شاقة بحثًا عن المياه

يمثل الحصول على المياه إحدى أكبر التحديات اليومية التي تواجه اللاجئين والمجتمعات المضيفة في الحوض الشرقي، في منطقة تعاني أصلًا شح الموارد المائية وتأثيرات التغير المناخي.

لكن اللاجئين المقيمين في المواقع غير الرسمية يواجهون ظروفًا أكثر صعوبة، إذ تتركز نسبة كبيرة من المساعدات الإنسانية في مخيم امبره، بينما تبقى التجمعات المتفرقة في المناطق المحيطة أقل وصولًا إلى الخدمات الأساسية.

ويقع عدد من هذه المواقع على مسافات بعيدة من الآبار، ما يضطر السكان إلى قطع عدة كيلومترات سيرًا على الأقدام أو باستخدام العربات التي تجرها الدواب، بحثًا عن المياه، دون ضمان العثور عليها عند الوصول.

وتزداد الأزمة حدة بسبب قلة الآبار والأعطال المتكررة التي تصيب عددًا منها، خصوصًا خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى يونيو، عندما تتجاوز درجات الحرارة 48 درجة مئوية في بعض الأحيان.

وفي مواجهة هذه الظروف، أعادت منظمة أطباء بلا حدود، خلال يوليو 2026، تأهيل بئر في منطقة تينواكيتين، في محاولة للتخفيف من صعوبة الوصول إلى المياه.

ومع ذلك، يظل حجم الاحتياجات أكبر من التدخلات المتاحة، في ظل اتساع المنطقة وتباعد تجمعاتها السكانية.

مدنيون يعبرون الحدود هربًا من العنف

ولا تتوقف معاناة اللاجئين عند فقدان المساكن ومصادر الرزق، إذ يواصل مدنيون مصابون عبور الحدود إلى موريتانيا بحثًا عن العلاج، في ظل صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية في مناطق واسعة من شمال مالي ووسطها.

ويسلط التقرير الضوء على حادثة وقعت في منتصف سبتمبر 2026، عندما نُقلت ثلاث نساء ورجل، أصيبوا في ضربة بطائرة مسيّرة، إلى المركز الصحي في أغور، الذي تدعمه منظمة أطباء بلا حدود.

وبحسب التقرير، تعرض موقع إقامتهم، الواقع على بعد نحو 20 كيلومترًا من الحدود، للهجوم، وسط تداول أنباء عن وجود جنود وعناصر روسية شبه عسكرية في المنطقة.

كما يورد التقرير شهادة عن اعتداء مسلحين على أسرة كانت تقيم حفل زفاف، وضرب رجل حتى الموت، قبل إلقاء جثته في بئر.

وتكشف هذه الوقائع، وفق المعطيات الواردة في التقرير، أن بعض المدنيين يواصلون مواجهة أخطار العنف حتى في المناطق القريبة من الحدود، وأن الوصول إلى الأراضي الموريتانية لا يمحو بالضرورة آثار التجارب التي عاشوها.

ويشير التقرير إلى أن امرأة تُدعى مريم، وهو اسم مستعار حفاظًا على سلامتها، ترفض العودة إلى قريتها في مالي بسبب الصدمة التي تعرضت لها.

دراسة توثق انتهاكات واسعة قبل اللجوء وأثناءه

وفي محاولة لتحديد حجم الانتهاكات التي تعرض لها اللاجئون، أجرى مركز إبيسنتر التابع لمنظمة أطباء بلا حدود دراسة خلال عام 2025، أكدت أن كثيرًا من الأشخاص الذين شملتهم كانوا قد تعرضوا لأعمال عنف شديدة، سواء بصورة مباشرة أو من خلال مشاهدة الاعتداءات التي طالت آخرين.

وكان معظم المشاركين في الدراسة قادمين من مناطق تمبكتو وسيغو وكوليكورو، وقد واجهوا انتهاكات قبل مغادرة مالي وأثناء رحلتهم إلى موريتانيا.

وشملت الانتهاكات، وفق التقرير، التعذيب والإعدامات التعسفية والاختطاف والنهب والعنف الجنسي والتدمير المتعمد، وهي أعمال نُسبت إلى جماعات مسلحة وعناصر مرتزقة.

وتوضح المنظمة أن آثار هذه الانتهاكات لا تقتصر على الإصابات الجسدية، بل تمتد إلى الصحة النفسية، إذ يصل بعض الناجين إلى المراكز الصحية في فصالة وأغور وهم يعانون صدمات عميقة نتيجة مشاهد العنف التي عاشوها أو شاهدوها.

وتبدأ فرق الرعاية الصحية المدربة في تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهؤلاء، في محاولة لمساعدتهم على التعامل مع الصدمة واستعادة الشعور بالأمان.

النساء والأطفال في صدارة الفئات الأكثر هشاشة

ووفقًا للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تشكل النساء والأطفال 83% من الوافدين الجدد الفارين من انعدام الأمن في شمال مالي ووسطها، وهو ما يسلط الضوء على حجم التحديات التي تواجه الفئات الأكثر هشاشة داخل تجمعات اللاجئين.

وتلفت سيلفي مبيرو، المسؤولة عن أنشطة الصحة النفسية في منظمة أطباء بلا حدود بموريتانيا، إلى أن بعض النساء اللواتي تستقبلهن الفرق الطبية يروين تجارب مروعة، لكنهن يجدن صعوبة في الحديث عن الاعتداءات الجنسية بسبب القيود الاجتماعية والثقافية المحيطة بهذا الموضوع.

وتوضح أن المرأة التي تتعرض للاغتصاب قد تواجه الوصم والرفض والإقصاء من أسرتها أو مجتمعها، بدلًا من تلقي الدعم والحماية، الأمر الذي يدفع بعض الناجيات إلى الصمت وإخفاء ما تعرضن له.

ويزيد هذا الواقع من صعوبة تحديد الحالات التي تحتاج إلى المساعدة، ويجعل توفير خدمات صحية ونفسية تراعي الخصوصية والسلامة أمرًا ضروريًا لضمان حصول الناجيات على الرعاية دون خوف من العواقب الاجتماعية.

أزمة نفسية تتطلب متابعة طويلة الأمد

يؤكد التقرير أن وصول اللاجئين إلى مكان آمن نسبيًا لا يعني انتهاء معاناتهم، إذ يواصل كثير منهم التعامل مع آثار نفسية وجسدية ناجمة عن العنف الذي تعرضوا له.

وتتفاقم هذه الآثار بسبب الفقر وانعدام الأمن الغذائي وصعوبة الحصول على المياه والرعاية الصحية ومصادر الدخل، وهي ظروف تجعل التعافي وإعادة بناء الحياة أكثر تعقيدًا.

وفي هذا السياق، يستقبل أحد المراكز التي تدعمها المنظمة، في المتوسط، نحو ستة مرضى جدد أسبوعيًا لمتابعة خدمات الدعم النفسي والاجتماعي، وهو عدد تقول المنظمة إنه لا يمثل سوى جزء محدود من الاحتياجات الحقيقية.

ويعود ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى انتشار اللاجئين في مناطق صحراوية شاسعة ومتباعدة، ما يجعل الوصول إلى الأشخاص الذين يحتاجون إلى الرعاية النفسية تحديًا كبيرًا أمام الفرق الطبية.

وتزداد الفجوة بسبب النقص الحاد في الاختصاصيين، إذ لا يتوفر في ولاية الحوض الشرقي سوى طبيب نفسي واحد، وفق ما أورده التقرير.

وللتخفيف من هذا النقص، أطلقت منظمة أطباء بلا حدود برنامجًا يتيح للعاملين الصحيين غير المتخصصين في الصحة النفسية المساهمة في علاج الاضطرابات الاكتئابية والذهانية، بعد تأهيلهم للقيام بهذه المهام.

وتسعى المنظمة من خلال هذه الخطوة إلى توسيع نطاق الرعاية النفسية والوصول إلى مزيد من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الدعم، في ظل محدودية الموارد البشرية واتساع الرقعة الجغرافية التي يعيش فيها اللاجئون.

المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطًا متزايدة

ولا تقتصر تداعيات الأزمة الإنسانية على اللاجئين الماليين، إذ تواجه المجتمعات الموريتانية المضيفة بدورها ضغوطًا متزايدة نتيجة الفقر ومحدودية الموارد الأساسية وتزايد المنافسة على المياه والغذاء والخدمات الصحية.

ويحذر التقرير من أن استمرار هذه الظروف، دون دعم كافٍ، قد يؤثر في التعايش السلمي بين السكان واللاجئين، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا ضعف البنية التحتية وقلة الخدمات.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى توسيع المساعدات الإنسانية لتشمل المواقع غير الرسمية، وعدم حصر التدخلات في مخيم امبره، إلى جانب تعزيز الخدمات الصحية والمياه والصرف الصحي والتغذية والدعم النفسي والاجتماعي.

كما تبرز أهمية دعم المجتمعات المضيفة نفسها، حتى لا تتحول أزمة اللجوء إلى عبء إضافي على سكان يعانون بدورهم من ظروف معيشية صعبة.

خلاصة التقرير: الأمان وحده لا يكفي

يرسم تقرير منظمة أطباء بلا حدود صورة لأزمة إنسانية متعددة الأبعاد في الحوض الشرقي، حيث يجد اللاجئون الماليون أنفسهم أمام تحديات متداخلة تبدأ بالفرار من العنف، ولا تنتهي عند الوصول إلى الأراضي الموريتانية، بل تستمر في شكل نقص الغذاء والمياه، وصعوبة العلاج، وفقدان مصادر الرزق، والآثار النفسية العميقة.

وتكشف الشهادات الميدانية والدراسة التي أجراها مركز إبيسنتر أن الاحتياجات تتجاوز توفير المأوى والحماية، لتشمل رعاية صحية مستمرة، وبرامج متخصصة للدعم النفسي، وتحسين الوصول إلى المياه والغذاء، وتوسيع نطاق المساعدات ليشمل التجمعات البعيدة عن المخيمات الرسمية.

كما يؤكد التقرير أن الاستجابة الفعالة للأزمة تتطلب دعم اللاجئين والمجتمعات المضيفة معًا، بما يضمن تخفيف الضغوط على الموارد المحدودة، وتعزيز فرص التعافي، والحفاظ على التعايش السلمي في المناطق الحدودية.

المصدر: منظمة أطباء بلا حدود (MSF)، تقرير «موريتانيا: في جنوب البلاد، يحاول اللاجئون الماليون البقاء على قيد الحياة»، المنشور في 8 أكتوبر 2026 والمحدَّث في 12 أكتوبر 2026. أُعدت هذه الصياغة اعتمادًا على النص الفرنسي الأصلي والمعلومات الواردة في المادة المقدمة.

ملاحظة: غُيّرت أسماء بعض الأشخاص الواردة في التقرير الأصلي لأسباب تتعلق بسلامتهم.

 

 

 

 

 

 

اعلانات