موريتانيا... حين تلتقي حكمة السياسة بالوفاء للوطن . بقلم الدكتور : الشيخ التجاني ولد باباه

14 أكتوبر, 2026 - 15:07

لسنا مضطرين إلى أن نعيش الحروب كي نتعلم قيمة الأمن، ولا إلى أن نذوق مرارة الانقسام حتى ندرك أن الوحدة ليست ترفا سياسيا، بل شرط من شروط بقاء الدولة وازدهار المجتمع. يكفي أن ننظر بعين الاعتبار إلى شعوب دفعت أثمانا باهظة من دمائها وأعمارها ومقدراتها، ثم بدأت، بعد طول معاناة، تشق طريقها نحو الاستقرار. في تجارب الآخرين دروس تختصر علينا كلفة التجربة، وتفتح أمامنا أبوابا كان يمكن أن نظل زمنا طويلا نطرقها وحدنا.

إن السياسة الرشيدة لا تقيس الحكمة بمدى ما يحتمله الناس من ألم، بل بقدرتها على تجنيبهم الألم حين يكون ذلك ممكنا. وليست الدولة الناجحة تلك التي تنتظر الأزمات كي تكتشف مواطن الخلل، وإنما التي تتعلم من التاريخ، وتقرأ الواقع، وتستبق المخاطر، وتحول المعرفة إلى مؤسسات وسياسات نافعة. فالتجربة الإنسانية ملك مشترك، والانتفاع بها ليس تبعية، كما أن الانغلاق عن دروسها ليس استقلالا. الاستقلال الحقيقي هو أن نأخذ من العالم ما ينفعنا، ثم نعيد صياغته بما يلائم حاجاتنا وقيمنا وخصوصيتنا.

ولا ينبغي لنا أن نحمل وطننا ما يفوق طاقته باسم الإصلاح، ولا أن نتصور أن بناء الدولة لا يكون إلا باستنساخ نماذج جاهزة أو باستنزاف المجتمع في تجارب مرتجلة. بناء العقول والمؤسسات مسؤولية عظيمة، لكنه لا يبدأ من فراغ؛ يبدأ من الاعتراف بما نملك، ومن حسن توظيف خبراتنا، ومن الاستفادة الواعية من علوم الآخرين وتجاربهم. فما يصلح في بيئة قد يحتاج إلى مراجعة في بيئة أخرى، وما ينجح في مجتمع قد لا ينجح في مجتمع مختلف في تاريخه وبنيته وقيمه. ومن هنا، فإن الاقتباس الذكي لا ينقل القوالب كما هي، بل يفهم مقاصدها، ويمتحنها في الواقع، ثم يختار منها ما يخدم الناس ويحفظ تماسك المجتمع.

وفي هذا المعنى، لا تكون القوانين قوية لمجرد أنها مستوردة أو حديثة الاسم، بل بقدر ما تحقق العدل، وتصون الحقوق، وتنسجم مع وجدان المجتمع، وتجد طريقها إلى التطبيق. ومن حق موريتانيا، بل من واجبها، أن تبني تشريعاتها على احترام خصوصيتها الدينية والأخلاقية والثقافية، من غير أن تجعل الخصوصية ذريعة لتعطيل الإنصاف أو إغلاق باب التطوير. فالقانون الذي يستمد شرعيته من قيم المجتمع، ويستفيد في الوقت نفسه من الخبرة الإنسانية، أقدر على أن يحمي الحقوق ويكسب ثقة الناس ويستمر أثره.

أما الوحدة الوطنية، فليست شعارا يرفع عند الحاجة ثم يترك في مهب الخلاف، وليست إنكارا للتنوع أو دعوة إلى الصمت. إنها خيار استراتيجي، ومسؤولية مشتركة، وعقد أخلاقي وسياسي يتيح للمواطنين أن يختلفوا من دون أن يتحول اختلافهم إلى خصومة تهدد وطنهم. وفي موريتانيا، تستند هذه الوحدة إلى قيم دينية وأخلاقية راسخة، وإلى تاريخ من التعايش، وإلى مصلحة وطنية لا يعلو عليها مكسب ظرفي أو خطاب تعبوي.

إن الدعوة إلى معالجة أوجه النقص مشروعة وضرورية، أما تحويلها إلى تحريض على التشردم أو تأجيج للفتنة فليس إصلاحا، بل طريق يضاعف الجراح ويجعل الخروج منها أصعب. لا تستقيم الوحدة بالتجاهل، كما لا تستقيم بإشعال الخصومات. إنما تقوى بالإنصاف، وبفتح المجال للحوار المسؤول، وبضمان تكافؤ الفرص، وبالاعتراف بأن قوة الوطن لا تقاس بتشابه أبنائه، بل بقدرتهم على بناء مصير مشترك رغم اختلافاتهم.

ونحن، إذ نعتز بما لدى موريتانيا من كفاءات علمية ووطنية، لا نفعل ذلك من باب المبالغة أو الاكتفاء بالثناء، بل من باب الإيمان بأن في هذا البلد طاقات تستطيع أن تسهم في حماية أمنه، وتطوير اقتصاده، وتعزيز تماسكه، وترسيخ مؤسساته. وقد بذل أبناء الوطن، في مواقع مختلفة، جهودا وتضحيات من أجل صون الدولة وخدمة المجتمع. والوفاء لهذه الجهود لا يكون بادعاء اكتمال التجربة، بل بحمايتها من التراجع، وبمراجعة ما يحتاج إلى إصلاح، وبمنح الكفاءة والاستحقاق مكانهما، وبإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة كي تضيف وتبتكر.

كما أن تماسك المجتمع مكسب ينبغي صونه، والديمقراطية التي تحترم الرأي الآخر رصيد ينبغي تطويره. فالديمقراطية ليست مجرد إجراءات، ولا يكتمل معناها بمجرد السماح بالكلام؛ إنها ثقافة تحمي حق الاختلاف، وتضع للمنافسة السياسية قواعد عادلة، وتجعل التداول والحوار والاحتكام إلى المؤسسات وسائل لحل الخلاف. وكلما اتسع صدر الدولة للنقد المسؤول، ازدادت مناعتها؛ فالرأي المخالف ليس خطرا بذاته، بل قد يكون مرآة تكشف ما لا تراه السلطة، ومصدرا لتصحيح المسار وتعزيز الثقة.

ومن الخطأ أن نضع الاستقرار في مواجهة الإصلاح، أو أن نجعل الإصلاح خصما للاستقرار. فالاستقرار الذي لا يتجدد قد يتحول إلى جمود، والإصلاح الذي لا يراعي توازن المجتمع قد يصبح مصدرا للاضطراب. والمطلوب هو إصلاح متدرج، واضح الغايات، يستند إلى الحوار والمعرفة، ويقيس أثره على حياة الناس، ويعالج مواطن الخلل من دون أن يهدم ما تحقق من مكاسب. فالدولة لا تبنى بالاندفاع وحده، ولا بالخوف من التغيير، وإنما ببصيرة تميز بين ما ينبغي الحفاظ عليه وما يجب تطويره.

إلى من يفهمون السياسة: إن الوطنية ليست أن نغلق أبوابنا عن العالم، ولا أن نفتحها لكل ما يرد إلينا من غير تمحيص. وليست أن نكتفي بتعداد ما نملك، ولا أن نحتقر ما أنجزناه. الوطنية أن نعرف أنفسنا كما نحن، وأن نرى العالم كما هو، وأن نختار من تجاربه ما يعيننا على التقدم من غير أن نفقد هويتنا، وأن نحمي وحدتنا من خطاب الكراهية، وأن نجعل الاختلاف طريقا إلى التصحيح لا مناسبة للقطيعة.

لسنا بحاجة إلى أن ندفع أثمان الحروب كي نؤمن بالسلام، ولا إلى أن نفقد وحدتنا كي نعرف قيمتها، ولا إلى أن نستعير هوية غيرنا كي نبني دولة حديثة. نحن بحاجة إلى أن نتمسك بما يجمعنا، وأن نقوي مؤسساتنا، وأن نطور قوانيننا، وأن نستثمر في عقول أبنائنا، وأن نتعلم من تجارب الشعوب من غير أن نذوب فيها. فالدولة الواثقة لا تخشى المعرفة، والمجتمع المتماسك لا يخشى الحوار، والوطن الذي يحسن قراءة تاريخه وتجارب غيره يستطيع أن يصنع مستقبله بيده.

 

 

 

 

 

 

اعلانات